مصطفى لافي الحرازين*
لا ينحصر نصُّ الأنثروبولوجي الكبير إرنست غلنر -رغم ما يحمله من طاقة نقدية هائلة تعطّل الكتابة المحلية التي تنال من الإسلام من حيث قدرته على التشكّل(1) بهذه المهمة وحسب؛ إذ النص هنا يدور في حقل نفسه، حيث يحتدم الجدل حول الإسلام ليطال جوهر الذات، جدل تتشكّل أطرافه الأساسية مما تبقى من فكر التنوير أولاً. وبالمقابل من جبهة متعددة المشارب تتميز بدينامية الانشقاق والتجاذب يحتل نواتها فكر ما بعد الحداثة وفلسفة العلم اللاسلطوية(2) وتدور في محورها صيغ متنوعة وأحياناً غير متبلورة تتمسك بانتمائها إلى الإناسة محاولة من موقعها هذا التقرب مما تسميه إسلام البيانات السياقية(3).
والواقع أن غلنر لم يقع في شرك هذا المحور ولم ينضبط بتلك البيانات؛ لأن الإسلام لم يكن بالنسبة له سياقاً يقوم بذاته بل حقلاً من الأقوال التي لا بد من إعادة جمعها وفصلها وتسوية سياقاتها ليصبح منطلقاً لمواجهة حاسمة مع تلك الانشقاقات التي تمس بلحمة نظام الحداثة، أي بضرورة القواعد وصلابتها واستمراريتها. ولهذا بالضبط لا يمكننا قراءة ما كتبه إلاّ بما هو جزء من (نظام التراث)(4) لا يسعى إلى جمعه أو توحيده بل إلى إحياء ما يعتبره أصل فعّاليته ومتحركيته الكامن في قدرته على توفير هذه القواعد المنشودة.
